ابن الجوزي

264

دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه

عز وجل أثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفى عنه العور من حيث نفي النقائص كأنه قال : ربكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص ، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزئ ، ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة ، لم يكن في ذلك دليل على الألوهية ولا القدم فإن الكامل في الصورة كثير . قال : ومن قال بدليل الخطاب فأثبت عينين قيل له : دليل الخطاب مختلف في كونه دليلا في أحكام الفقه وفروع الدين فكيف بأصوله ، ثم هو عند من اعتقده حجة يقضي عليه معنى النطق وهو القياس المظنون فكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالرد . الحديث الحادي والخمسون روى البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل : " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصره به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته " ( 202 ) .

--> ( 202 ) رواه البخاري في صحيحه ( 11 / 341 فتح ) قلت : والحديث فيه كلام وهذا إسناده هناك : حدثني محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا به . فأما خالد بن مخلد القطواني فقال الإمام أحمد : له مناكير ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به ، وشريك فيه مقال أيضا وله انفرادات بألفاظ منكرة وقد تقدم ذكر شئ من ذلك في التعليق ص ( 233 ) . وقال الحافظ الذهبي في " الميزان " ( 1 / 641 ) : " ومما انفرد به ما رواه البخاري في صحيحه " فذكر هذا الحديث ثم قال عقبه : " فهذا حديث غريب جدا ، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد ، وذلك لغرابة لفظه ، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ ، ولم يرد هذا المتن إلا بهذا الإسناد ولا خرجه من عدا البخاري ، ولا أظنه في مسند أحمد " . وزاد الحافظ فقال : " ليس هو في مسند أحمد جزما " . قلت : بل هو في المسند عن السيدة عائشة رضي الله عنها مرفوعا ، وإنني أعجب من الحافظ كيف يجزم بنفي وجوده من المسند ( 6 / 256 ) ؟ ! ولم ينبه في الفتح بعد ذكر رواية أبي هريرة والكلام عليها أنه في مسند أحمد من حديث السيدة عائشة وإنما عزاه " للزهد " لأحمد وغيره من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها ، لكنه عزاه في " لسان الميزان " ( 4 / 99 ) في ترجمة عبد الواحد بن ميمون لأحمد في المسند فالله أعلم . قلت : وعبد الواحد هذا متروك ، والخلاصة أن حديث : " من عادى لي وليا " صحيح إلا أن لفظ " التردد " الذي فيه لا يثبت لاحتمال أن يكون من تصرف الرواة وخصوصا أن فيه ضعفاء والله تعالى أعلم . أنظر الفتح ( 11 / 341 - 342 ) .